شارك سلفيت– صوت الشباب: عهود الخفش: منذ ساعات الصباح الأولى، ومع أول أنفاس النهار الباردة، يتسلّل قاطفو ثمار الفطر البري (الفقع) إلى جبال واد قانا في بلدة دير استيا شمال غرب سلفيت.
خطواتهم حذرة، وعيونهم ترقب المكان، يرافقهم خوفٌ صامت من اعتداءات جنود الاحتلال ومستوطنيه، في رحلة شاقة بحثا عن رزق موسمي لا يدوم طويلا، لكنه يشكل موردا أساسيا لعشرات العائلات.
هناك، حيث تعانق الأرض السماء، يولد الفقع من رحم الأمطار الغزيرة، زائر شتوي عابر لا يمكث طويلا، لكنه يترك أثرا كبيرا في حياة القاطفين.
فتتحوّل الجبال إلى مساحة أمل، تمتزج فيها قسوة البرد بنداء الحياة، ويغدو الفقع شاهدا حيا على علاقة الفلسطيني بأرضه، بين المخاطرة والرزق.
يقول المواطن عاهد منصور، أحد قاطفي الفقع من بلدة دير استيا، إن هذا الموسم يُعد مصدر رزق مها ينتظره الأهالي في كل عام، كونه يشكل دخلا للعديد من العائلات، موضحا أن القاطفين يواجهون تحديات جسيمة، في مقدمتها ملاحقة قوات الاحتلال وما تُسمى بـ“سلطة الطبيعة” التي تفرض غرامات مالية باهظة، إلى جانب اعتداءات المستوطنين الذين يعمدون إلى طرد القاطفين ومصادرة ما يجمعونه من ثمار، فضلا عن الدوريات العسكرية التي تلاحقهم باستمرار.
ولا تقتصر المخاطر، بحسب منصور، على ممارسات الاحتلال فحسب، بل تمتد إلى أخطار طبيعية تهدد حياة القاطفين، أبرزها الخنازير البرية المتوحشة، والزواحف السامة كالأفاعي والعقارب.
مشيرا إلى أن الفقع ينمو عادة بين نباتات شوكية مثل السريس والنتش وتحت أشجار البلوط، وهي بيئات تُعد ملاذا لتلك الزواحف.
كما أن انتشار المستوطنات والسياج الأمني يحرم القاطفين من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، ما يضطرهم إلى المجازفة والتوجه نحو مناطق وعرة وخطرة لجمع أكبر كمية ممكنة من الفقع، في ظل الطلب المتزايد عليه.
من جهته، يقول المواطن زكريا دمدوم من قرية فرخة إن هذا العام يشهد سخاء ملحوظا في توفر الفقع في جبال محافظة سلفيت، مشيرا إلى أنهم تمكنوا من قطف أقراص يصل وزن الواحد منها إلى نحو كيلوغرامين.
ويضيف: “ننتظر موسم الفقع في كل عام بشغف، لما يحمله من فرصة للخروج إلى الجبال وقطف هذه النبتة البرية”، موضحا أن تميّز الفقع لا يقتصر على مذاقه الشهي، بل يكمن في مشقة العثور عليه بعد ساعات من البحث في الجبال الوعرة وبين الأشواك.
ويتابع: “عند العثور عليه، تغمرنا فرحة كبيرة، يتبعها شعور بالرضا وشكر الله على هذه النعمة”.
بدوره، يقول الحاج سليمان (88 عامًا) إن قطف الفقع يُعد موسما سنويا ينتظره أهالي المحافظة، وخصوصا اهالي بلدة دير استيا، لما يحمله من قيمة غذائية وتراثية واقتصادية في آنٍ واحد.
ويؤكد أن بعض الأهالي يقطفون الفقع للاستهلاك المنزلي، فيما يعتمد عليه آخرون كمصدر دخل من خلال بيعه في الأسواق المحلية.
مضيفا، أن هذه المهنة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، في مشهد يعكس عمق ارتباط الإنسان بأرضه، لافتا إلى أن معرفة أماكن نمو الفقع ووقت ظهوره تحتاج إلى خبرة ودراية، خاصة بعد هطول الأمطار وتوفر الظروف الطبيعية المناسبة.
ويؤكد الناشط ضد الاستيطان نظمي سلمان، أن موسم الفطر البري، على قصر مدّته الزمنية، يُشكل مصدر دخل موسميا مهما لعدد من الأسر الفلسطينية، لا سيما في المناطق الريفية التي تعتمد على الأرض ومواسمها الطبيعية.
ورغم بساطة هذا المورد وارتباطه بحق الأهالي الطبيعي في الوصول إلى أراضيهم، إلا أن المستوطنين، وبحماية من جيش الاحتلال، يفرضون قيودا مشددة ويمنعون المواطنين من جمع الفطر، عبر الملاحقة والتهديد ومنع الوصول إلى المناطق المفتوحة، في سياسة تهدف إلى التضييق على سبل العيش ومصادرة أبسط أشكال الارتباط بالأرض.
ويُذكر أن الفطر البري ينبت سنويا في أراضي قرى محافظة سلفيت خلال فصل الشتاء، غالبا في شهري تشرين الثاني وكانون الأول، ويستمر موسمه نحو ثلاثة أسابيع.
ويظهر الفقع بعد تساقط الأمطار الغزيرة يعقبها سطوع أشعة الشمس، إذ يحتاج إلى الرطوبة والضوء معا لينمو.
وتُعد منطقة واد قانا من أبرز المناطق التي ينبت فيها الفقع، لا سيما في أراضي بلدات دير استيا وكفر الديك وفرخة وكفل حارس، حيث ينمو تحت أشجار البلوط والسريس والبطم.
وتتعدد أنواعه في المنطقة، من بينها “الشوَى” الذي يميل لونه إلى الصفار، و“الأبيض” أو “البيوضي”، إضافة إلى “زَقَم العجل” و“أبو عصب”.
ورغم المخاطر كافة، يواصل قاطفو الفقع في محافظة سلفيت رحلتهم السنوية بقلوب واجفة وأيدٍ متعبة، مدفوعين بحب الأرض وحاجة العيش، في مشهد يجسد صمود الإنسان الفلسطيني وتمسكه بأرضه، حتى في أبسط تفاصيل رزقه.




