– صوت الشباب: – في الرواية الإنجيلية، تبدأ الحكاية من أمرٍ إمبراطوري بالتعداد السكاني.
يترك يوسف النجار ورفيقته مريم العذراء الناصرة ويتجهان جنوبًا نحو بيت لحم، ينزلان بجبل جنوب المدينة، فيولد الطفل يسوع في مغارة ويوضع في مذود متواضع.
هذه المغارة، التي تُعلّق عليها اليوم كنيسة المهد، جعلت من بيت لحم أحد أهم مراكز الحج المسيحي في العالم، ووضعتها سنويًا في قلب خريطة الميلاد الروحية والإعلامية.
على مدى عقود، لم يكن عيد الميلاد في بيت لحم حدثًا كنسيًا فحسب، بل عيدًا وطنيًا فلسطينيًا يشارك فيه المسيحيون والمسلمون، ويقصده الحجّاج من أصقاع الأرض، إضافة إلى فلسطينيي الضفة وغزة والداخل (48)، وحتى بعض اليهود من إسرائيل ضمن برامج سياحية خاصة.
لكن هذه الصورة الكلاسيكية تعرضت لهزة عميقة مع الحرب على غزة والقيود الإسرائيلية المشددة على الحركة، فغابت شجرة الميلاد عن ساحة المهد لعامين متتاليين، قبل أن تقرر المدينة هذا العام أن تعود للاحتفال رغم كل شيء.
كيف كان الميلاد يُحتفل قبل الحرب؟
حتى عام 2019، كانت بيت لحم تعيش ذروة موسمها السنوي في عيد الميلاد، حيث استقبلت نحو 1.4 مليون سائح في بعض السنوات، وامتلأت الفنادق بالزوار وسط ترميمات واسعة لكنيسة المهد.
كان «بروتوكول الميلاد» يسير وفق نظام «الستاتيكو» بين الكنائس؛
فيتقدّم موكب البطريرك اللاتيني من القدس عبر الجدار والبوابة الشمالية نحو ساحة المهد — وليس عبر حاجز 300 — حيث تستقبله الفرق الكشفية والمسؤولون الفلسطينيون وأهالي المدينة من مسيحيين ومسلمين.
في الساحة، تُضاء شجرة الميلاد العملاقة التي يبلغ ارتفاعها نحو 15 مترًا في احتفال يُبث عالميًا، فيما تنتشر أسواق التحف الخشبية ومنتجات الزيتون والهدايا، وتتوافد آلاف العائلات والحجاج للاستماع إلى الترانيم والعروض الفنية المحلية والدولية، حتى أصبحت عبارة «لا توجد غرفة في الفنادق» توصيفًا فعليًا لازدهار الموسم.
ويمثّل عيد الميلاد شريان الحياة الاقتصادية لبيت لحم؛
إذ تشكّل السياحة ما يقارب 70% من دخل المدينة السنوي، وكانت تستقبل نحو 1.4 مليون زائر قبل الحرب وفق بيانات وزارة السياحة ومحافظ بيت لحم.
ويبلغ ذروة الموسم قداس منتصف الليل، حيث يتزاحم المؤمنون للحصول على مقعد في الكنيسة بحضور رئيس الدولة والدبلوماسيين والحجاج من مختلف أنحاء العالم، فيما يُنقل القداس إلى ملايين المشاهدين، مؤكّدًا المكانة الروحية والرمزية لمدينة المهد في الوجدانين الفلسطيني والعالمي.
حرب غزة تلغي الميلاد لعامين متتاليين مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيّر مشهد الميلاد في بيت لحم جذريًا.
فقد قررت البلدية والكنائس إلغاء المظاهر الاحتفالية بالكامل والاكتفاء بالصلوات، فبدت ساحة المهد في ديسمبر 2023 خالية بلا شجرة أو أضواء أو مسيرات كشفية، ووُصفت من قبل شبكة معاً ووسائل إعلام محلية ودولية بأنها «صامتة وحزينة».
وقدّم المسيحيون مشهدًا رمزيًا لافتًا بوضع (المذود بين الركام)، حيث ظهر الطفل يسوع وسط أنقاض تشبه بيوت غزة، في رسالة تقول: (لو وُلد اليوم، لولد بين ركام غزة).
وفي عام 2024 تكرر القرار؛
إذ أعلن رئيس البلدية السابق أنطون سلمان استمرار إلغاء الاحتفالات للعام الثاني احتجاجًا على الحرب في غزة.
وبقيت الساحة بلا شجرة ولا موسيقى، فيما حملت المواكب الكشفية صور الدمار ولافتات تطالب بالسلام.
كان لذلك أثر كارثي اقتصاديًا؛
فقد تجاوزت خسائر السياحة في الأراضي الفلسطينية 200 مليون دولار عام 2024، وتوقفت الحركة السياحية شبه كليًا في بيت لحم.
ورصدت «أسوشيتد برس» في 2025 ورشات خشب الزيتون خالية من المشترين مع انخفاض مبيعاتها بنسبة تصل إلى 75%، فيما ارتفعت البطالة إلى نحو 50%، وبدأت عائلات مسيحية بالهجرة بحثًا عن الاستقرار والرزق.
بيت لحم المحاصرة- وحكاية حاجز 300 للحديث عن الميلاد اليوم، لا يمكن تجاهل الجغرافيا السياسية التي تخنق بيت لحم من جهاتها كافة.
فالمدينة محاطة بجدار الفصل ومجموعة واسعة من الحواجز العسكرية، وقد وثّقت صحيفة لوموند الفرنسية في أبريل 2025 وجود نحو 68 عائقًا ماديًا ما بين حواجز ثابتة وبوابات وجدران وسواتر ترابية وطرق مغلقة، تجعل التنقل من وإلى المدينة أبطأ أحيانًا من السفر خارج البلاد.
ترتبط بيت لحم بالقدس عبر أربعة حواجز رئيسية (الأنفاق، المَالحة، مزموريا، وحاجز 300).
ولا يسمح أي منها بمرور المشاة باستثناء حاجز 300 المعروف أيضًا بحاجز «قبر راحيل»، وهو المعبر الأبرز للحجّاج والزوار القادمين من القدس نحو كنيسة المهد.
ووفق تقارير «بتسيلم» و«محسوم ووتش»، يُسمح للمركبات الإسرائيلية وحملة الهويات الإسرائيلية والمقدسية، إضافة إلى الأجانب، بالمرور غالبًا دون عوائق كبيرة، بينما يُجبر الفلسطينيون من الضفة على العبور مشاة فقط بعد الحصول على تصاريح خاصة، والخضوع لإجراءات تفتيش وبوابات دوارة وفحوص بيومترية.
ويُغلق القسم المخصص لهم عادةً عند نحو 12:30 ظهرًا، والعودة ضمن ساعة محددة ما يجعل التأخر عن العبور خطرًا يهدد بفقدان التصريح.
بعد اندلاع الحرب على غزة، ازدادت القيود حدة؛
إذ أشارت تقارير ميدانية إلى وقف مرور السيارات الفلسطينية عبر حاجز 300 لفترات طويلة، وإلى إغلاقات مفاجئة للحاجز حتى بعد فتحه، أحيانًا لأسباب وُصفت بالسخيفة مثل هطول الأمطار أو انخفاض درجات الحرارة.
ولا يقتصر الوصول إلى بيت لحم على حاجز 300، فالمداخل الأخرى، خصوصًا في منطقتي الخضر وبيت جالا، تغلق بواباتها عند السادسة مساء، باستثناء بوابة DCO التي حصلت مؤسسة «سانت إيف» على قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية لإبقائها مفتوحة على مدار الساعة، ومع ذلك تُغلق بين حين وآخر بذريعة (الظروف الأمنية).
وتؤكد منظمات دولية وإسرائيلية أن الحركة الفلسطينية في عموم الضفة أصبحت أكثر صعوبة من أي وقت مضى، مع ازدياد الحواجز والإغلاقات المفاجئة، الأمر الذي يجعل أي رحلة- في ذروة الأعياد- مغامرة غير مضمونة النتائج، ويضفي على الاحتفال في بيت لحم طابعًا من القلق واللايقين، في هذا السياق تصبح الجملة المجازية المتداولة في بيت لحم – «لو أن رحلة الميلاد حدثت اليوم، لما استطاعت مريم أن تصل» – أقرب إلى توصيف واقع منه إلى صورة شعرية.
الطريق بين الناصرة وبيت لحم اليوم مقطعة بالحواجز والجدار والفصل الجغرافي.
وأهالي الناصرة والداخل والقدس الذين كانوا يقلدون الرحلة بزيارة بيت لحم أصبحوا متشككين من عدم امكانيتهم من الخروج وقتما أرادوا فيتجنبون الحضور.
من يُسمح له بالوصول إلى بيت لحم… ومن يُمنع؟
غزة الغائبة عن الميلاد قبل الحرب، كان عدد من مسيحيي غزة يحصلون سنويًا على تصاريح محدودة لزيارة بيت لحم والقدس خلال الأعياد، حيث تشير بيانات «كوغات» الإسرائيلية إلى منح نحو 600 تصريح في بعض المواسم.
لكن منظمات حقوقية وصحفية وثّقت باستمرار أن كثيرًا من العائلات تُرفض طلباتها لأسباب أمنية غير مبررة، أو يُمنح جزء من العائلة تصاريح فيما يُحرم آخرون.
ومع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 وفرض حصار شامل على القطاع، توقفت هذه التصاريح عمليًا، وأصبح وصول مسيحيي غزة إلى بيت لحم شبه مستحيل، بينما يعيش أهالي القطاع واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخ المنطقة.
الإسرائيليون أيضًا غائبون… لكن لأسباب مختلفة من الجانب الإسرائيلي، تُظهر التعليمات الرسمية أن دخول مواطني إسرائيل – يهودًا وعربًا – إلى مناطق «أ» الفلسطينية محظور قانونيًا، بما فيها بيت لحم، إلا بتنسيق خاص أو عبر شركات سياحة فلسطينية مرخّصة.
ولهذا كان معظم الزوار الإسرائيليين يصلون قبل الحرب ضمن جولات منظمة تُسجّل شكليًا كأنها تجري خارج منطقة «أ»، أو يكونون من مزدوجي الجنسية الذين يدخلون بهويات أجنبية.
هذا الواقع يخلق مفارقة صارخة: مدينة المهد تبعد دقائق فقط عن القدس، لكنها عمليًا محاصرة من جهتين؛
الإشعارات الإسرائيلية تحظر على مواطني إسرائيل دخولها، والقيود العسكرية والتصاريح تمنع معظم الفلسطينيين، خاصة من غزة ومعظم الضفة، من الوصول إليها.
هكذا تصبح رحلة الميلاد في مدينة السلام محاطة بجدران ومنعٍ وحركة مقيدة، على الرغم من رمزيتها الدينية والإنسانية التي يفترض أنها مفتوحة للجميع.
اقتصاد الميلاد المنهك- خشب الزيتون بلا حجّاج في الأزقة المحيطة بساحة المهد تنتشر محلات التحف المصنوعة من خشب الزيتون، حيث تُعرَض تماثيل الميلاد والصلبان والأيقونات والهدايا التي شكّلت لعقود مصدر رزق أساسيًا لعشرات العائلات.
هذه الحرفة ليست مجرد إرث ثقافي، بل العمود الفقري لاقتصاد المدينة في موسم الأعياد.
لكن منذ اندلاع الحرب، أصبحت ورشات النحت على خشب الزيتون شبه خالية، كما وثّقت تقارير «أسوشيتد برس» ووسائل إعلام أخرى.
انقطع تدفق الزوار والسياح، واتجه الحرفيون مضطرين نحو التصدير إلى أوروبا وأميركا رغم ما يواجهونه من رسوم جمركية وتحديات لوجستية.
كثير من المحلات بات يفتح لساعات محدودة أو يبقى مغلقًا لأيام، في ظل غياب الزبائن وتراجع القدرة الشرائية محليًا.
أحد أصحاب المتاجر لخّص الأزمة بمرارة: “اعتدنا أن تكون أعياد الميلاد موسم الحياة… واليوم نخشى أن تصبح موسم الرحيل.
” عودة الشجرة وسط الظل الطويل للحرب بعد عامين من الصمت والاكتفاء بالشعائر الدينية، أعلنت بلدية بيت لحم أن المدينة تستعد هذا العام لاحتفالات «استثنائية» بعيد الميلاد.
وأكد رئيس البلدية ماهر قنواتي في بيان صحفي أن شجرة الميلاد ستُنصب وتُضاء في ساحة المهد في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2025، إيذانًا بعودة الفعاليات الثقافية والفنية «بعد عامين من التوقف».
وتؤكد البلدية أن هذه العودة تحمل «رسالة أمل» للعالم بأن المدينة، رغم الحصار وتداعيات الحرب على غزة، ما زالت متمسكة بدورها الروحي ورمزيتها التاريخية المرتبطة بالسلام.
لكن عودة الاحتفالات لا تعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها؛
فالحركة السياحية ما تزال شبه مشلولة مقارنة بالمواسم الذهبية قبل 2020، كما أوضح مدير فندق بيت لحم إلياس العرجا لـ معا، مشيرًا إلى أن وكالات السفر تترقب الأوضاع الأمنية وتخشى إلغاء حجوزات في اللحظات الأخيرة عند أي تصعيد.
كما لا يزال الوصول إلى بيت لحم والقدس مقيدًا بالحواجز ونظام التصاريح، ما يبقي ملايين الفلسطينيين خارج «المشهد الكامل» للميلاد- من غزة والمدن الفلسطينية داخل الخط الأخضر، إلى القدس والقرى المحيطة ببيت لحم، وصولًا إلى مدن الضفة الأخرى ذات الحضور المسيحي مثل رام الله والطيبة والزبابدة وبير زيت- وهو ما يجعل الموسم عائدًا بحذر، وتحت ظل طويل للحرب.
الميلاد كعيد وطني فلسطيني… بين الرمزية والواقع بالنسبة للفلسطينيين، لا يُعد عيد الميلاد مناسبة دينية للمسيحيين فحسب، بل عيدًا وطنيًا جامعًا يشارك فيه المسلمون والمسيحيون معًا.
فالمساجد والكنائس تتجاور في بيت لحم والقدس والناصرة، وتنقل المحطات المحلية القداديس، وتشارك القيادات السياسية والشعبية في استقبال البطاركة.
ويجسّد مسجد عمر بن الخطاب القائم مقابل كنيسة المهد هذا التداخل العميق بين الديني والوطني؛
إذ كان من الطقوس السنوية اللافتة أن تتوقف الطبول لحظة رفع أذان العصر، قبل أن يستأنف الموكب احتفالاته بمرور المقدسي المسلم الذي يتقدم البطريرك بعصاه في مشهد رمزي شديد الدلالة.
غير أن هذا «العيد الوطني» يُمارَس اليوم تحت واقع مغاير تمامًا؛
فحرية العبادة والتنقل، المضمونة بموجب القانون الدولي، باتت رهينة التصاريح والحواجز.
وكما أوضح رئيس بلدية بيت لحم ماهر قنواتي في لقائه الأخير مع البابا، فإن «أبناء المسيح أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى القدس لزيارة كنيسة القيامة».
ومع غياب أهل غزة وصعوبة وصول كثير من فلسطينيي الضفة والداخل المحتل، يتقلص «الجسم الشعبي» للميلاد عامًا بعد عام، ليقتصر على سكان المدينة ومن ينجح في اجتياز متاهة الجدار والحواجز نحو ساحة المهد.
ميلاد بين المذود والحاجز يحاول التلحميون عام 2025 أن يعيدوا لبيت لحم شيئًا من صورتها الأولى: شجرة مضاءة في ساحة المهد، أضواء وفرق موسيقية، وأسواق صغيرة تعيد الحياة إلى قلب المدينة بعد عامين من الصمت.
لكن خلف هذا المشهد، تبقى الأسئلة الثقيلة معلّقة: كيف يُحتفل بميلاد «رسالة السلام» في مدينة محاطة بالجدار؟
كيف تحلم عائلة من غزة برحلة ميلاد إلى بيت لحم وهي تكافح للبقاء تحت خيمة لا تقيها برد الشتاء؟
كيف يضمن شاب من بيت ساحور أو فتاة من بيت جالا أو قس من بيت لحم عبوره عبر حاجز 300 في وقتٍ لا تُضمن فيه حتى مواعيد فتحه وإغلاقه؟
وكيف لزائر من الخليل أو جنين أن يخطط لزيارة المدينة وهو لا يعلم إن كانت بوابة المدخل ستُغلق فجأة، أو إن كان سيعلق ساعات على حاجز واد النار؟
ربما لهذا السبب تحديدًا، تُصرّ بيت لحم- بلديتها وكنائسها وأهلها- على الاحتفال هذا العام «ببعده الديني والاجتماعي والاحتفالي».
ليس إنكارًا للحرب ولا تجاهلًا لغزة، بل محاولة لانتزاع مساحة صغيرة من الحياة في زمن تُهدَّد فيه حتى أبسط حركات العبور.
في رواية الميلاد، يختم القس القراءة دائمًا بقول: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام.” أما في بيت لحم اليوم، فيبدو أن الجملة تحتاج لتغير فتصبح: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام وعلى الحواجز تصريح مرور”.




